فصل: باب ما يبتلى به الأسير في دار الحرب

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: شرح السير الكبير **


  باب ما يصدق فيه الرجل

قال‏:‏ وإذا رجع الأسير إلى دار الإسلام فخاصمته زوجته إلى القاضي وقالت‏:‏ إنه ارتد عن الإسلام فبنت منه وقال الأسير‏:‏ أكرهني ملكهم وقال‏:‏ لأقتلنك أو لتكفرن ففعلت ذلك مكرهاً فالقول في ذلك قول المرأة ولا يصدق الأسير إلا ببينة لأن السبب الموجب للفرقة وهو إجراء كلمة الشرك على اللسان قد ثبت بتصادقهما عليه ثم الأسير يدعي سبباً خفياً ليغير به حكم السبب الظاهر فلا يصدق على ذلك إلا بحجة يوضحه‏:‏ أنه أضاف السبب الموجب للفرقة إلى حالة غير معهودة وهو الإكراه وفي مثله لا يقبل قوله إلى بحجة كما لو قال‏:‏ كنت طلقتها ثلاثاً وأنا مجنون وهو لم يعرف جنونه في وقت قط لم يقبل قوله إلا بحجة فإن شهد الشهود أن الملك قال له‏:‏ لأقتلنك أو لتكفرن ولا يدري أظفر عند ذلك أو لم يكفر وقال الأسير‏:‏ فإني إنما أجريت كلمة الكفر عند ذلك لا قلبه ولا بعده فالقول قول الأسير لأن بشهادة الشهود صارت تلك الحالة معهودة ومتى أضاف الزوج سبب الفرقة إلى حالة معهودة تمنع وقوع الفرقة كان القول قوله كما لو قال‏:‏ طلقتها ثلاثاً وأنا صبي وهذا لأن الحالة إذا كانت معهودة فالظاهر يشهد له وهو في الحقيقة منكر للفرقة فالقول قول المنكر الذي يشهد له الظاهر وإن لم تكن الحالة معهودة فهو مدع للمانع وذلك حادث فلا يقبل قوله إلا بحجة وكذلك إن كان خاصمه في ذلك غير امرأته من المسلمين لأن هذه الحرمة حق الشرع فلكل مسلم أن يتكلم فيه على وجه الحسبة قال‏:‏ ولو ادعت امرأة على زوجها أنه طلقها ثلاثاً وقال الزوج أصابني برسام أو وجع أذهب عقلي أو جنون فكان ذلك مني في هذه الحالة فإن لم يعرف أن ذلك أصابه فالقول قولها وإن عرف أن ذلك أصابه فالقول قوله فإن شهد الشهود أنهم رأوه مجنوناً مرة فالقول قوله أيضاً لأن الجنون له صار معهوداًً بهذه الشهادة ومتى كانت الإضافة إلى حالة معهودة تنافي الفرقة كان مقبول القول في ذلك مع يمينه‏.‏

وكذلك لو قال‏:‏ طلقتها وأنا نائم فالقول قوله ها هنا لأن حال النوم حال معهود لكل واحد كحالة الصغر فإضافته إلى تلك الحالة تكون إنكاراً معنى ألا ترى أنه لو قال‏:‏ كنت طلقتها قبل أن أخلق أو قبل أن أتزوجها كان القول قوله وكان ذلك منه إنكاراً للطلاق فكذلك ما سبق ولو قال‏:‏ شربت حتى سكرت فذهب عقلي فطلقتها أو ارتددت عن الإسلام ففي باب الطلاق هي بائن منه صدقته في ذلك أو كذبته لأن السكر لا يمنع وقوع الطلاق فالحالة التي أضاف الطلاق إليها غير مؤثرة في المنع من الفرقة بخلاف النوم وهذا لأن السكران عقله معه إلا أنه يغلب عليه السرور فيمنعه من استعمال عقله وذلك لا يخرجه من أن يكون عاقلاً بخلاف ما إذا شرب البنج حتى ذهب عقله فإن ذلك يزيل عقله بخلاف النائم فإنه في حال نومه في حكم من لا يعقل شرعاً وإليه أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله‏:‏ رفع القلم عن ثلاثة‏.‏

الحديث وحال السكران كحال ابن السبيل المنقطع عن ماله فإن الزكاة تجب في ماله وإن كانت يده لا تصل إليه بخلاف من هلك ماله حقيقة أو حكماً بأن غصبه غاصب وجحده فأما في الردة فإن عرف منه السكر في وقت بهذه الصفة فالقول قوله وإن لم يعلم لا يقبل قوله في ذلك وحكم الردة يبتنى على الاعتقاد فالسكران لا يكون معتقداً لما يقول فمتى أضاف إلى حالة غير معهودة لم يقبل قوله ومتى أضاف إلى حالة معهدوة كان مقبول القول فيه ولا ينظر إلى تصديق المرأة وتكذيبها في ذلك لأن هذه الحرمة محض حق الشرع ولو أن امرأة قالت للقاضي‏:‏ إني سمعت زوجي يقول‏:‏ المسيح ابن الله وقال الزوج‏:‏ إنما قلت ذلك حكاية عمن يقول هذا فإن أقر أنه لم يتكلم إلا بهذه الكلمة بانت منه امرأته لأن ما في الضمير لا يصلح أن يكون ناسخاً لحكم ما تكلم به فإن ما في ضميره دون ما تكلم به والشيء لا ينسخه إلا ما هو مثله أو فوقه ألا ترى أنه لو طلق امرأته ونوى الاستثناء بقلبه كان الطلاق واقعاً لهذا المعنى ويستوي إن صدقته المرأة فيما قال أو كذبته‏.‏

ولو قال‏:‏ إني وصلت كلامي فقلت‏:‏ النصارى يقولون‏:‏ المسيح ابن الله أو قلت‏:‏ المسيح ابن الله قول النصارى ولم تسمع المرأة إلا بعض كلامي وقالت المرأة‏:‏ كذب فالقول قول الزوج مع يمينه بخلاف ما سبق لأن الزوج ها هنا ما أقر بالسبب الموجب للفرقة فإن عين هذه الكلمة ملا تكون موجبة للفرقة فيكون هو في الحقيقة منكراً لما تدعيه من السبب الموجب وهو نظير ما لو قال‏:‏ كنت قلت لها‏:‏ أنت طالق ثلاثاً إن شاء الله وكذبته في الاستثناء فهنالك القول قول الزوج للمعنى الذي بينا فهذا مثله وكذلك لو قال‏:‏ قد أظهرت قولي المسيح ابن الله وأخفيت ما سوى ذلك إلا أني تكلمت به موصولاً بكلامي فالقول قوله في ذلك إلا إن شهد الشهود عليه أنهم سمعوه قال‏:‏ المسيح ابن الله ولم يقل غير ذلك فحينئذ القاضي يبين منه امرأته ولا يصدق على ذلك في الحكم لأن الشهود أثبتوا السبب الموجب للفرقة وقوله غير مقبول فيما يبطل شهادة الشهود بخلاف الأول فهناك السبب للفرقة إنما ظهر بقوله وقد ظهر موصولاً بكلامه ما ينافي وقوع الفرقة فلهذا جعلنا القول قوله فإن قيل‏:‏ كيف يقبل قول الشهود إنه لم يقل شيئاً غير ذلك وهذه شهادة منهم على النفي والشهادة على النفي لا تقبل قلنا‏:‏ لأن وقوع الطلاق ليس بهذه الشهادة بل بما سبق مما هو إثبات وهو بمنزلة شهادة الشهود على أن هذا أخ الميت ووارثه لا نعلم له وارثاً غيره‏.‏

يوضحه أن قولهم‏:‏ لم يقل شيئاً غير ذلك فيه إثبات أن ما يدعي من الزيادة في ضميره لا في كلامه فذلك لا يصلح ناسخاً لموجب كلامه ولأنهم في شهادتهم أثبتوا سكوته بقولهم‏:‏ لم يقل شيئاً غير هذا والسكوت له أمر مثبت معاين حتى لو قال الشهود‏:‏ لا ندري أقال ذلك أو لم يقل إلا أنا لم نسمع منه غير قوله‏:‏ المسيح ابن الله فالقول قوله‏:‏ ولا يفرق بينه وبين امرأته لأن ها هنا الشهود ما أثبتوا أن الزيارة في ضميره لا في كلامه وإنما قالوا‏:‏ لم نسمع وكما لم يسمعوا ذلك منه فالقاضي لم يسمع أيضاً وهم نسبوا أنفسهم إلى الغفلة وعدم السماع فكان قوله وعلى هذا لو ادعى التكلم بالاستثناء في الخلع أو التكلم بالشرط أو الاستثنناء في الطلاق موصولاً كان القول قوله فإن شهد الشهود عليه بخلع أو طلاق بغير ذكر الاستثناء نحو أن شهدوا وقالوا‏:‏ خالع أو طلق بغير ذكر الاستثناء أو طلق ولم يستثن لم يقبل قوله في ذلك وإن قال الشهود‏:‏ لم نسمع منه غير كلمة الطلاق أو الخلع فالقاضي لا يفرق بينهما وكان القول قوله في ذلك إلا أن يظهر منه ما يكون دليل صحة الخلع من قبض البدل أو سبب آخر فحينئذ لا يقبل قوله في ذلك وإنما تبتني هذه الفصول كلها على الحرف الذي بينا قال‏:‏ ولو أن رجلاً عرف أنه جن مرة فقالت امرأته‏:‏ إنه ارتد البارحة أو طلقني ثلاثاً فقال الرجل‏:‏ عاودني الجنون البارحة فقلت ذلك وأنا مجنون فالقول قوله مع يمينه لأن الجنون إذا وجد مرة فهو لازم أبداً ولهذا كان عيباً لازماً إذا وجد مرة في حالة الصغر أو الكبر ومن تأمل في حماليق عني الذي جن مرة تبين له بقاء أثر الجنون فيه فهو بهذه الدعوى إنما يضيف كلامه إلى حالة معهودة وإن لم يعرف بالجنون قط لم يقبل قوله لما قلنا فإن لم يفرق القاضي بينه وبين امرأته حتى جن ثم أفاق فقال‏:‏ قد كنت هكذا قبل اليوم لم يصدق على ذلك وبانت منه امرأته لأن الجنون مما يحدث فحدوثه لا يكون دليلاً على أنه كان موجوداً فيما مضى فأما بعدما علم وجوده فهو لا يزول على وجه لا يبقى له أثر فلهذا قبلنا قوله هناك ولم نقبله ها هنا وكذلك النوم ولو ادّعت أنه طلقها وقت العصر ثلاثاً فقال الزوج‏:‏ كنت نائماً في تلك الحالة فالقول قوله لأن النوم يعتري المرء عادة في كل وقت وهو ما يذهب ويعود كالجنون فيكون به مضيفاً إلى حالة معهودة ولو علم أنه سكر منذ شهر حتى ذهب عقله فقالت المرأة‏:‏ إنه ارتد البارحة وقال الزوج‏:‏ قد سكرت البارحة كما سكرت منذ شهر فارتددت وأنا لا أعقل فإنها تبين منه ولا يصدق على ما قال لأن السكر لا يعود بعد زوال سببه إلا باكتساب سبب جديد لذلك واكتساب ذلك السبب منه البارحة غير معلوم فلا يقبل قوله إلا بحجة وعلى هذا لو علم أن المشركين أكرهوه على الكفر فكفر مرة ثم ادّعت عليه أنه كفر بعد ذلك فصدقها بالكفر الثاني وذكر أنهم أكرهوه ثانياً لا يقبل في ذلك قوله لأنه يدعي سبباً متجدداً غير معلوم وكذلك لو علم أنه كان مبرسماً منذ سنة ثم قال‏:‏ أصابني ذلك مرة أخرى أو علم أنه شرب البنج منذ سنة ثم قال‏:‏ قد شربته البارحة فذهب عقلي لم يصدق على ذلك بحجة لأن هذا كله مما لا يعود إلا باكتساب سبب مستقل بخلاف الجنون ولأن هذا كله مما يزول على وجه لا يبقى له أثر وعلى وجه لا يعود قط بخلاف الجنون والنوم فبهذا الحرف تبين الفرق بين هذه الفصول والله أعلم‏.‏

قال‏:‏ وإذا خلوا سبيل الأسير في دار الحرب على أن يعطيهم كفيلاً بنفسه على أن لا يخرج من بلادهم فكفل به مسلم أو ذمي أو حربي ثم قدر على الخروج فليس ينبغي له أن يخفر المسلم أو الذمي وله أن يخفر الحربي فيخرج لأنهم يقتلون الكفيل أو يعذبونه إذا خرج هو وقد كان له أن يقتل الحربي ويأخذ ماله فيخرج فيكون له أن يعرضه للقتل أيضاً بالخروج وما كان له أن يقتل المسلم والذمي لينجو بنفسه فكذلك لا يكون له أن يعرضهما للقتل بخروجه وإن كان الأسير مستأمناً فيهم فمنعه بعضهم من الخروج حتى أعطاه كفيلاً بهذه الصفة فليس ينبغي له أن يخفر كفيله حربياً كان أو غير حربي لأنه ليس للمستأمن أن يقتل الحربي ويأخذ ماله فيخرج فلا يكون له أن يعرضه للقتل أيضاً وهذا لأنه لا أمان بينهم وبين الأسير وقد ثبت بينهم وبين المستأمن الأمان فإنهم آمنوه وهو قد التزم لهم ألا يخونهم فكانوا في أمان منه أيضاً ولكن هذا الأمان مقصور عليه خاصة فلهذا لا يكون له أن يخفر كفيله وإن كان المسلم مظلوماً فيهم فكفل به مسلم أو ذمي أو حربي على أني حضره يوم كذا ليقتلوه فلا بأس بأن يخفر كفيله ويخرج سواء كان أمره بالكفالة أو لم يأمره بذلك لأنه في الحضور يكون معيناً على نفسه ملقياً بيده إلى التهلكة ولا رخصة في ذلك وإذا خرج هو فقتلوا كفيله لم يكن هو معيناً على قتله فإن لم يخرج حتى يحضره الكفيل فيقتلوه كان معيناً على نفسه فلهذا كان له أن يخرج وأكثر ما فيه أنه قد تحقق خوف الهلاك على أحدهما والمسلم في هذا مأمور بأن يبدأ بدفع سبب الهلاك عن نفسه ولو قالوا‏:‏ أعطنا كفيلاً بنفسك حتى نحضرك يوم كذا فنأخذ منك المال أو حبسناك أو قيدناك فأعطاهم كفيلاً مسلماً أو ذمياً على هذا الشرط فليس له أن يخفر كفيله ها هنا لأنه أدخله في هذه العهدة والتزم له الوفاء حين أمره بالكفالة عنه والمؤمنون عند شروطهم بخلاف ما سبق فهناك إنما يخاف على نفسه شيئاً لا يحل له أني أذن فيه بحال وأن يباشره اختياراً بنفسه فلا يجوز له أن يعينهم على ذلك بترك الخروج بعد التمكن منه وها هنا إنما يخاف ما يجوز له أني أذن فيه من نفسه وأن يباشره من بذل مال أو رضاء بالحبس أو بالقيد فلهذا لا ينبغي له أن يغدر بكفيله وعلى هذا لو أن مسلمة فيهم أعطت كفيلاً مسلماً أو ذمياً على أن يحضرها غداً ليفجر بها رجل منهم أو يتزوجها وهي ذات زوج فلا بأس بأن تخفر كفيلها لأن ما تخاف منه أمر لا يجوز أن تأذن فيه بحال فكان هذا والقتل سواء وإن لم تكن ذات زوج فأرادوها على أن يتزوجها رجل منهم فإن كان ذلك الرجل مسلماً فليس لها أن تخفر كفيلها وإن كان ذلك الرجل كافراً فلها أن تخفر كفيلها لأن الزوج إذا كان مسلماًً فهذا العقد مما يجوز لها أن تباشره وأن تأذن فيه وإذا كان الزوج كافراً فليس لها أن تباشره ولا أن ترضى به بحال ولو أرادوا منه أن يكفر بالله أو يقتلوه فأعطاهم كفيلاً بنفسه على أن يوافي به غداً فلا بأس بأن يخفر كفيله ها هنا لأن حرمة الكفر حرمة باتة مصمتة لا تنكشف بحال فهذا مما لا يحل أن يأذن فيه من نفسه ويرضى به بمنزلة القتل ألا ترى‏:‏ أنه لو قيل له‏:‏ لتكفرن بالله أو لنقتلن هذا الرجل لم يسعه أن يكفر بالله إذا خاف القتل على غيره وإنما يسعه إجراء كلمة الكفر مع طمأنينة القلب بالإيمان إذا خاف القتل على نفسه وكذلك ها هنا إنما يخاف لقتل على غيره فلا بأس بأن يهرب من الشرك ويدع كفيله ولو قالوا‏:‏ اقتل هذا المسلم أو المعاهد أو لنقتلنك فأعطاهم كفيلاً بنفسه على أن يحضره غداً ليفعل به ذلك كان له أني خفر كفيله فهذا أولى لأن الإقدام على قتل المسلم لا يحل له أصلاً سواء كان يخاف الهلاك على نفسه أو على غيره ولو قالوا للأسير نخلي سبيلك على أن تؤمننا فلا تغتال أحداً منا ولا تأخذ لأحد منا مالاً ولا تخرج من بلادنا فحلف لهم على هذا وخلوا سبيله فلا بأس بأن يخرج ويكفر يمينه لقوله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ فليأت الذي هو خير وليكفر يمينه إلا أنه لا ينبغي له أن يغتالهم فيقتل أحداً منهم أو يأخذ له مالاً لأنه حين أعطاهم العهد على هذا فقد صار بمنزلة المستأمن فيهم وقد بينا أن المستأمن لا يحل له أن يغتال أحداً منهم ولا أن يأخذ شيئاً من أموالهم ولكن يجوز له أن يخرج من دارهم بغير علمهم ورضائهم فكذلك الأسير إذا أعطاهم العهد على هذا فإن أعطى الأسير مسلماً أو ذمياً كفيلاً بنفسه على ألا يخرج ثم طاوعه الكفيل فخرجا جميعاً فلا بأس بهذا لأنه إنما كان ممنوعاً من الخروج لحق الكفيل فإنه غير ملتزم لأهل الحرب شيئاً فإذا ساعد الكفيل على الخروج فقد زال المانع فإن قيل‏:‏ كيف يلزمه مراعاة حق الكفيل وقد كان أهل الحرب ظالمين في حبسه وللمظلوم أن يدفع الظلم عن نفسه بما يقدر عليه قلنا‏:‏ نعم ولكن ليس للمظلوم أن يظلم غيره فإذا أخفر كفيله كان ظالماً فإنه اعتمد في الكفالة أمره ألا ترى أن مسلماً في دار الإسلام لو قصده ظالم بظلم فأعطاه كفيلاً بنفسه لم يحل له أن يخفر كفيله وإن كان يعلم أنه مظلوم فهذا له ولو قالوا له‏:‏ نخلي سبيلك ونؤمنك وتؤمنا على ألا تخرج من بلادنا فأعطاهم ذلك ثم قدر على الخروج فلا بأس بأن يخرج لأنه بمنزلة المستأمن فيهم الآن ولكن لو أعطاهم كفيلاً حربياً بنفسه لم يجز له أن يخفر كفيله بخلاف الأول لأنه ها هنا لا يسعه أن يقتل أحداً منهم ويأخذ ماله فلا يسعه إخفار كفيله أيضاً وإن ساعده الكفيل على الخروج معه فلا بأس بالخروج لأن المانع حقه لا حق أهل الحرب بدليل أنه لو لم يعطه كفيلاً كان له أن يخرج فإن خرج الكفيل معه بأمان ثم قال له‏:‏ ارجع معي إلى دار الحرب فليس على الأسير ذلك لأن حكم ذلك الأمان قد انتهى بخروجه إلى دار الإسلام فكذلك حكم الكفالة ألا ترى أن هذا الحربي لو رجع إلى دار الحرب كان خارجاً من أمان الأسير وحل له أني قتله ولا بأس بأن يرشو الأسير المسلم بعض أهل الحرب ليتركه حتى يخرج إلى دار الإسلام لأنه يجعل ماله وقاية لنفسه وبه أمر قال صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه‏:‏ اجعل مالك دون نفسك ونفسك دون دينك والأصل فيه حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله تعالى عنه - فإنه حبس بالحبشة فرشاهم دينارين حتى خلوا سبيله فعرفنا أن هذا ليس من جملة السحت في حق المعطي وإن كان من جملة السحت في حق الآكل وأنه غير داخل تحت قوله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ الراشي والمرتشي في النار إنما قال ذلك في حق المعطي إذا قصد به الظلم أو إلحاق الضرر بغيره فأما إذا قصد دفع الظلم عن نفسه أو تحصيل منفعة لنفسه من غير أن يلتحق الضرر بغيره فلا بأس به وكذلك الجواب في دار الإسلام إذا قصده ظالم فلا بأس بأن يعطي شيئاً من ماله إليه ليدفع الظلم عن نفسه قال‏:‏ بلغنا عن أبي الشعثاء جابر بن زيد قال‏:‏ ما وجدنا في زمن الحجاج شيئاً خيراً من رشى وفي وصفه ذلك بالخيرية دليل على أنه لا إثم على المعطي في الإعطاء وإن كان الآخذ آثماً في أخذه والله الموفق‏.‏

  باب ما يبتلى به الأسير في دار الحرب

إذا استحلف ملكهم الأسير بالأيمان المغلظة ألا يخرج إلى بلاد المسلمين فحلف على ذلك فاليمين لازمة لأنه مخاطب وإن كان مقهوراً في أيديهم فالإكراه لا يمنع لزوم اليمين والأصل فيه حديث حذيفة - رضي الله تعالى عنه - فإن المشركين أخذوه وحلفوه ألا ينصر رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ فِ لهم بعهدهم ونحن نستعين الله تعالى عليهم فإن كان حلف ألا يخرج إلا بإذن الملك ثم خرج بإذنه لم يحنث لأن هذا الخروج بالصفة المستثناه وإن خرج بغير إذنه فهو حانث إلا أن يكون ذلك الملك قد مات فإن في لفظه ما يوجب توقيت اليمين بحياته وكذلك إن عزل ذلك الملك فإن اعتبار إذنه حال قيام سلطنته فتوقيت اليمين به إلا في قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - وأصله في المدين إذا حلف ألا يخرج من البلدة إلا بإذن صاحب الدين أو المرأة إذا حلفت ألا تخرج إلا بإذن زوجها فإنه يتوقف اليمين بحال قيام الدين وحال قيام الدين حلفت ألا تخرج إلا بإذن زوجها فإنه يتوقف اليمين بحال قيام الدين وحال قيام النكاح وحال قيام النكاح إلا في رواية أبي يوسف - رحمه الله تعالى - وكذلك إن أعيد على ملكه بعدما عزل لأن اليمين قد بطلت حين عزل ذلك الملك وهي بعدما بطلت لا تعود إلا بالتجديد‏.‏

ألا ترى أنه لو قال لجاريته عبدي حر إن خرجت من هذه الدار إلا بإذني فباعها ثم اشتراها ثم خرجت أو قال لزوجته فأبانها ثم تزوجها ثم خرجت لم يحنث لما قلنا وكذلك لو حلف السلطان رجلاً لترفعن إليّ كل داعر تعرفه في محلتك فعزل ثم أعيد على حاله فعلم بداعر فليس عليه أن يعرفه ولو كان علم به قبل عزله فلم يرفعه إليه حتى عزله كان حانثاً في يمينه ولا ينفعه أن يرفعه إليه بعد العزل أو بعد الإعادة إلى السلطنة وهذه فصول ذكرناها في شرح الزيادات وإن كان حلف الأسير لهم ألا يخرج إلا بإذن ملكهم ولم يصمد بملك بعينه فعزل ذلك الملك وولّي غيره ثم خرج الأسير كان حانثاً لأن يمينه إنما وقعت ها هنا على استئذان أي ملك ولوه أمرهم فإن مات ملكهم أو عزل ولم يوالوا غيره حتى خرج الأسير فلا حنث عليه لأنه لا ملك عليهم الآن وهو بيمينه إنما استلزم استئذان الملك فإذا لم يكن عليهم ملك لا يكون هو بالخروج مرتكباً محظور اليمين فلا يحنث بهذا الطريق لأن يمينه انتهى بعزل الأول حتى لو لم يخرج حتى ولا غيره ثم خرج بغير إذنه كان حانثاً لأنه قد ارتكب محظور اليمين قال‏:‏ ولو حلف ألا يخرج إلا بإذن الملك ولا نية له فيمينه على ذلك الملك خاصة لأنه أدخل الألف واللام في كلامه ها هنا وهو المعهود فإنما يتناول يمينه بالملك المعهود خاصة وصار تعينه بهذا الطريق كتعيينه بالإشارة إليه قال‏:‏ وإذا أحرم اليسير في أيديهم وهو يرجو أن يبلغ المسلمين ذلك ويفدونه فلم يفعل المسلمون ذلك ومنعه العدو فهو بمنزلة المحصر لأنه تعذر عليه المضي لأداء النسك بعد صحة إحرامه فكان محصراً وقد بينا حكم المحصر في شرح المختصر وذكر هنا أنه إذا كان لا يقدر على هدي يبعثه لتحلل به فإن عطاء بن أبي رباح كان يقول‏:‏ يتحلل بصوم عشرة أيام بالقياس على هدي المتعة وأهل المدينة كانوا يقولون يتحلل بغير شيء فأما المذهب عندنا أنه لا يتحلل إلا بالهدي لأن حكم المحصر منصوص عليه في القرآن وهو التحلل بالهدي خاصة وكون الصوم بدلاً عن الهدي في المتعة والقرآن منصوص عليه هنا ولا يقاس المنصوص على المنصوص عندنا إنما يقاس على التنزيل وأما التنزيل لا يقاس بعينه بعضه على بعض لأن الحكم المعلوم بالتنزيل مقصوع به وما ثبت بالرأي لا يكون مقطوعاً به وقد استقصينا هذا فيما أمليناه في تمهيد الفصول في الأصول والله الموفق‏.‏

  باب العين يصيبه المسلمون

قال‏:‏ وإذ وجد المسلمون رجلاً ممن يدعي الإسلام معيناً للمشركين على المسلمين يكتب إليهم بعوراتهم فأقر بذلك طوعاً فإنه لا يقتل ولكن الإمام يوجعه عقوبة وقد أشار في موضعين في كلامه إلى أن مثله لا يكون مسلماً حقيقة فإنه قال ممن يدعي الإسلام وقال‏:‏ يوجع عقوبة ولم يقل‏:‏ يعزر وقد بينا أنه في حق المسلمين يستعمل لفظ التعزير في هذا الموضع وإنما يستعمل هذا اللفظ في حق غير المسلمين إلا أنه قال‏:‏ لا يقتل لأنه لم يترك ما به بإسلامه فلا نخرجه من الإسلام في الظاهر ما لم يترك ما به دخل في الإسلام ولأنه إنما حمله على ما صنع الطمع لا خبث الاعتقاد وهذا أحسن الوجهين وبه أمرنا قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ‏}‏ الزمر‏:‏ 18 وقال صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ لا تطلبن بكلمة خرجت من في أخيك سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً واستدل عليه بحديث حاطب بن أبي بلتعة فإنه كتب إلى قريش أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ مهلاً يا عمر فلعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال‏:‏ اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم فلو كان بهذا كافراً مستوجباً للقتل ما تركه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بدرياً كان أو غير بدري وكذلك لو لزمه القتل بهذا حداً ما ترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إقامته عليه وفيه نزل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء‏}‏ الممتحنة‏:‏ فقد سماه مؤمناً وعليه دل قصة أبي لبابة حين استشاره بنو قريظة فأمر أصبعه على حلقه يخبرهم أنهم لو نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قتلهم وفيه نزل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ‏}‏ الأنفال الآية 27 وكذلك لو فعل هذا ذمي فإنه يوجع عقوبة ويستودع السجن ولا يكون هذا نقضاً منه للعهد لأنه لو فعله مسلم لم يكن به ناقضاً أمانه فإذا فعله ذمي لا يكون ناقضاً أمانه أيضاً ألا ترى‏:‏ أنه لو قطع الطريق فقتل وأخذ المال لم يكن به ناقضاً لعهده وإن كان قطع الطريق محاربة مع الله ورسوله بالنص فهذا أولى وكذلك لو فعله مستأمن فينا فإن لا يصير ناقضاً لأمانه بمنزلة ما لو قطع الطريق إلا أنه يوجع عقوبة في جميع ذلك لأنه ارتكب ما لا يحل له وقصد بفعله إلحاق الضرر بالمسلمين فإن كان حين طلب الأمان قال له المسلمون‏:‏ قد آمناك إن لم تكن عيناً للمشركين على المسلمين أو آمناك علي أنك إن أخبرت أهل الحرب بعورة المسلمين فلا أمان لك والمسألة بحالها فلا بأس بقتله لأن المعلق بالشرط يكون معدوماً قبل وجود الشرط فقد علق أمانه ها هنا بشرط ألا يكون عيناً فإذا ظهر أنه عين كان حربياً لا أمان له فلا بأس بقتله وإن رأي الإمام أن يصلبه حتى يعتبر به غيره فلا بأس بذلك وإن رأى أن يجعله فيئاً فلا بأس به أيضاً كغيره من الأسرى إلا أن الأولى أن يقتله ها هنا ليعبر به غيره غيره فإن كان مكان الرجل امرأة فلا بأس بقتلها أيضاً لأنها قصدت إلحاق الضرر بعامة المسلمين ولا بأس بقتل الحربية في هذه الحالة كما إذا قاتلت إلا أنه يكره صلبها لأنها عورة وستر العورة أولى وإن وجدوا غلاماً لم يبلغ بهذه الصفة فإنه يجعل فيئاً ولا يقتل لأنه غير مخاطب فلا يكون فعله خيانة يستوجب القتل بها بخلاف المرأة وهو نظير الصبي إذا قاتل فأخذ أسيراً لم يجز قتله بعد ذلك بخلاف المرأة إذا قاتلت فأخذت أسيراً فإنه يجوز قتلها والشيخ الذي لا قتال عنده ولكنه صحيح العقل بمنزلة المرأة في ذلك لكونه مخاطباً وإن جحد المستأمن أن يكون فعل ذلك وقال‏:‏ الكتاب الذي وجدوه معه إنما وجدته في الطريق وأخذته فليس ينبغي للمسلمين أن يقتلوه من غير حجة لأنه آمن باعتبار الظاهر فما لم يثبت عليه ما ينفي أمانه كان حرام القتل فإن هددوه بقيد أو ضرب أو حبس حتى أقر بأنه عين فإقراره هذا ليس بشيء لأنه مكره وإقرار المكره باطل سواء كان الإكراه بالحبس أو القتل ولا يظهر كونه عيناً إلا بأن يقر به عن طوع أو شهد عليه شاهدان بذلك ويقبل عليه بذلك شهادة أهل الذمة وأهل الحرب لأنه حربي فينا وإن كان مستأمناً وشهادة أهل الحرب حجة على الحربي وإن وجد الإمام مع مسلم أو ذمي أو مستأمن كتاباً فيه خطه وهو معروف إلى ملك أهل الحرب يخبر فيه بعورات المسلمين فإن الإمام يحبسه ولا يضربه بهذا القدر لأن الكتاب محتمل فلعله مفتعل والخط يشبه الخط فلا يكون له أن يضر به بمثل هذا المحتمل ولكن يحبسه نظراً للمسلمين حتى يتبين له أمره فإن لم يتبين خلى سبيله ورد المستأمن إلى دار الحرب ولم يدعه ليقيم بعد هذا في دار الإسلام يوماً واحداً لأن الريبة في أمره قد تمكنت وتطهير دار الإسلام عن مثله من باب إماطة الأذى فهو أولى والله أعلم‏.‏

  باب ما يختلف فيه أهل الحرب وأهل الذمة من الشهادات والوصايا

قد بينا شهادة أهل الحرب المستأمنين في دارنا بعضهم على بعض مقبولة إذا كانوا أهل منعة واحدة ولا تقبل عند اختلاف المنعة لأن المانع تباين الدارين لا اختلاف النحلة وتباين الدارين فيهم باختلاف المنعة وعلى هذا حكم التوارث بينهم وحال أهل الذمة مع المستأمنين كحال المسلمين مع أهل الذمة لأنهم من أهل دارنا بخلاف المستأمنين ولهذا لا يترك المملوك الذمي في ملك المستأمن مدة مقامه فينا ولكن يجبر على بيعه كما لا يترك المسلم في ملك الذمي ووصية المستأمن بجميع ماله لمسلم أو ذمي تكون صحيحة وليس لوارثه فيها حق الرد لأن حرمة ماله لحقه لا لحق وارثه الذي في دار الحرب ولأن بطلان الوصية فيما زاد على الثلث عند عدم إجازة الورثة من حكم الإسلام والمستأمن غير ملتزم لذلك ولهذا يثبت هذا الحكم في حق الذمي لأنه ملتزم حكم الإسلام فيما يرجع إلى المعاملات ووصية الذمي للحربي المستأمن بالثلث تكون صحيحة بمنزلة وصية المسلم للذمي ووصية المسلم أو الذمي لحربي في دار الحرب لا تكون صحيحة وإن أجازها الورثة إلا أن يشاءوا أن يهبوا له شيئاً من أموالهم فيجوز ذلك إذا قبض لأن من في دار الحرب في حق من هو في دالا الإسلام كالميت فإن كان وارث المستأمن معه بأمان فينا لم تجز وصيته فيما زاد على الثلث إلا بإجازة الوارث لأن حق وارثه ها هنا مراعى بسبب الأمان كحقه فإن حضر له وارث آخر من دار الحرب شارك الذي كان حاضراً في ميراثه ولم يكن للموصى له إلا الثلث لأن وصيته فيما زاد على الثلث قد بطلت لعدم إجازة الورثة فيبقى ذلك موروثاُ عنه بين جميع ورثته ويستوي إن كان الحاضر معه زوجته أو ابنه لأن القاضي لا يجد بداً من أن يقضي بميراثهما في الزيادة على الثلث وإذا لم يجز قضاؤه بميراث بعض الورثة في مال يكون إبطالاً للوصية في ذلك المال ولو أن المستأمن فينا أوصى بجميع ماله لحربي في دار الحرب ثم جاء الموصى له وابن الميت فإن القاضي يقضي بالمال للموصى له لأنه لا حرمة لوارثه الذي في دار الحرب وإنما كان المال محترماً لحق الميت فيكون مصروفاً إلى من وضعه الميت فيه ولو كان الموصى له من أهل دار غير داره فالوصية له باطلة لتباين الدار حقيقة وحكماً بمنزلة الذمي يوصي لحربي في دار الحرب بخلاف ما إذا كان الموصى له في دارنا بأمان لأن تباين الدار ها هنا غير موجود صورة وإن كان موجوداً حكماً وبخلاف ما إذا أوصى لمسلم أو ذمي هو في دار الحرب بأمان أو أسير لأن هناك لم يوجد تباين الدار حكماً فالمسلم من أهل دار الإسلام حيثما يكون وكذلك لو أوصى لحربي قد أسلم في دار الحرب لأن المسلم من أهل دار الإسلام حيثما يكون ألا ترى أن زوجته لو خرجت مسلمة بعد إسلامه لم تبن منه بخلاف ما إذا خرجت قبل إسلامه ولو كان أوصى له وهو حربي ثم أسلم قبل موت الموصي أو بعده فوصيته باطلة لأنها وقعت لإنسان بعينه فإنما يعتبر حاله يوم أوصى له وقد كان ميتاً عند ذلك حكماً فبطلت الوصية له والوصية الباطلة لا تنقلب صحيحة بإسلامه وكذلك إن أجازت الورثة وصيته لأن الإجازة إنما تلحق الموقوف لا الباطل وعلى هذا لو قال‏:‏ أوصيت لفلان ابن أخي فلان لأنه حين سماه بعينه فكأنه أشار إليه بخلاف ما إذا قال أوصيت لابن أخي بكذا ولم يسم الابن بعينه فأسلم الابن قبل موت فالوصية له جائزة لأنه لما لم يصمد لشخص بعينه كانت الوصية لمن هو موجود عند موت الموصي اعتباراً للموصى له بالموصي به ألا ترى‏:‏ أنه لو لم يكن لأخيه ابن ثم ولد له قبل موت الموصي استحق ذلك الابن الوصية بهذا الطريق فكذلك إذا كان كافراً فأسلم قال‏:‏ ولو وهب المستأمن في مرضه ماله كله لابنه الذي هو معه وسلمه إليه ثم جاء ابن آخر له من دار الحرب بعد موته أبيه وأراد نقض الهبة لم يكن له ذلك لأنه ما كان لهذا الابن الذي جاء حرمة عند موت أبيه فالوصية للوارث إنما لا تجوز لحق سائر الورثة فإذا انعدم ذلك الحق عند موت الموصي تمت الوصية له وليس لمن يحضر بعد ذلك أن يبطله وإن كان مجيء هذا الابن قبل موت والده فله أن يبطل هبته لأنه كان مدعي الحق عند موت أبيه فكان تصرف الأب إيثاراً لبعض ورثته على البعض وذلك لا يجوز ثم إن جاء ابن آخر له بعد هذا شاركهما في الميراث لأن الهبة حين بطلت صار المال ميراثاً عن الميت ولو كان الابن الذي جاء قبل موت أبيه أجاز الهبة لأخيه بعد موت الأب قبل مجيء الآخر أو بعده جازت الهبة في نصيبه لأنه حين مات الأب قبل إجازته فقد صار المال ميراثاً بين البنين الثلاثة أثلاثاً ثم إنما تعمل إجازة المجيز في نصيبه لا في نصيب غيره وهو بمنزلة ما لو أخذ الابن الحاضر الميراث فاستهلكه بهبة أو غير ذلك ثم جاء الابن الآخر فإنه يكون له أن يأخذ نصيبه من الميراث وكذلك لو كان للمستأمن ها هنا ابنان فأوصى لهما بجميع المال أو وهب لكل واحد منهما نصف المال مقسوماً وقبضه ثم أجاز كل واحد منهما لصاحبه بعدد موت أبيه ثم جاء ابن آخر فله أن يأخذ ميراثه من النصيبين لأن الثلث من المال صار ميراثاً له بموت الموصي قبل إجازة الابنين فلا يبطل ذلك إلا بإجازتهما ولو كان معه ابن واحد فأوصى له بجميع ماله وأجاز الابن الوصية لنفسه بعد موت أبيه ثم جاء ابن آخر فله أن يأخذ نصف المال بخلاف ما إذا كان وهب له وسلمه إليه لأن الهبة قد ملكها الموهوب له بالقبض في حياة أبيه ولم يكن للابن الآخر حق مرعي عند ذلك فلا يثبت فيه حكم الإرث عند موته فأما الوصية إنما تجب بالموت كالميراث وباعتبار المقارنة لا ينتفي الإرث لابن آخر فلهذا كان له نصف الميراث ولا تعمل إجازة المجيز في حقه ألا ترى أن الابن الموصى له لو أخذ المال بطريق الميراث بعد موت أبيه كان للابن الآخر أن يأخذ منه نصفه فكذلك إذا أخذ بطريق الوصية ولو أن حربياً في دار الحرب حضره الموت فوهب ماله لمسلم فيهم بأمان وسلمه فأبى وارثه بعد موته أن يجيز له فيما زاد على الثلث كان المستأمن في سعة من منع جميع المال منه إن أمكنه ذلك لأن الميت ملكه بطيبة نفسه وبعد تمام الملك منه لا يثبت فيه حق ورثته ولا حق غرمائه بعد موته وإن أسلموا وإن كان الحربي أوصى له بماله كله والمسألة بحالها فإن كان من حكم أهل الحرب أن الموصى له أحق بالموصى به طاب له ذلك كله لأن الورثة والغرماء ملتزمون أحكام أهل الحرب وإن لم يكن ذلك من حكمهم لم يطب له إلا الثلث بعد الدين لأنه فيهم أمان فلا يحل له أن يأخذ مالهم أو مالاً لهم فيه حق إلا بطيبة أنفسهم ولو أن مستأمناً فينا وهب ماله لرجل أو أوصى له به ولا وارث له ثم جاء قوم بعد موته وأثبتوا ديناً على الميت أدانوه في دار الإسلام فإن القاضي يبدأ بحق الغرماء لأن من في يده المال خصم عن الميت فإثبات الدين عليه بالبينة كإثباته على الميت ومن حكم الإسلام البداية بالدين قبل الهبة في المرض والوصية فإن جاء ابنه بعد هذا من دار الحرب وقال‏:‏ أعطى ميراث أبي من الباقي لم يلتفت القاضي إلى ذلك لأنه لم يكن مرعي عند موت أبيه فلا تبطل الهبة والوصية لأجله وعلى هذا لو جاء الغرماء من دار الحرب فأثبتوا عليه ديناً أدانوه في دار الحرب لم يقض القاضي لهم بشيء وإن كانوا مسلمين أو أهل ذمة لأنهم لو جاءوا في حياته وأقاموا لابينة لم يقض لهم بشيء فإن المستأمن غير مطالب بموجب معاملة كانت معه في دار الحرب فكذلك إذا جاءوا بعد موته قال‏:‏ ولو لم يكن أوصى بماله لأحد والمسألة بحالها بدأ بالدين الذي استدانه في دالا الإسلام ثم بالدين الذي استدانه في دار الحرب لأن ما استدانه في دار الإسلام أقوى فإنه مطلوب به قبل الإسلام وعبده وما استدانه في دار الحرب أضعف فإنه كان لا يطالب به ما لم يسلم وعند اجتماع الحقين يبدأ بأقواهما ثم ها هنا يقضي من تركته ما استدان في دار الحرب لأن ما يفضل من غرماء دار الإسلام موقوف على حق ورثته في دار الحرب وهو مطالب بما استدانه في دار الحرب في حقهم بخلاف الأول فالفضل هناك مستحق للموهوب له أو للموصى له في دار الإسلام وذلك الدين ليس بمطلوب في دار الإسلام وإن مات المستأمن فينا وله مال فماله موقوف مفي يد من في يده وإن لم يكن في يد أحد جعله الإمام موقوفاً في بيت المال حتى يحضر وارثه وليس عليه أن يبعث به إليه ولكن كل من يأتي من ورثته يعطيه حصته ويقف الفضل حتى يأتي مستحقه فإن علم أنه لا وارث له قسم الإمام ذلك للمساكين ثم إن جاء وارث له أعطاه ذلك من الصدقات لأن حكم الأمان بقى في ماله بعد موته فيفعل فيه ما يفعله في مال ذمي يموت ولا وارث له ولو جرح المستأمن رجلاً عمداً أو خطأ فعفا له عن الجراحة وما يحدث منها ثم جاء وارثه من دار الحرب بعد موته فلا سبيل له علىالقاتل لأن أكثر ما في الباب أنه موص لقاتله بالدية والوصية للقاتل كالوصية للوارث وقد بينا أن ما نفذ من ذلك في مرضه لا يبطل لحق الوارث الذي في دار الحرب فكذلك هذا ولو كان الوراث قدم في حياته لم تجز الوصية لقاتله إن كان أوصى له وإن كان عفا عن دم العمد وكان الواجب القصاص بأن كان القاتل مستأمناً مثله جاز العفو لأن إسقاط القود ليس من الوصية في شيء وإن كان خطأ جاز من الثلث لأن وصيته بالدية للعاقلة لا للقاتل ولو كان أوصى لقاتله بنصف ماله ولابنه الذي قدم قبل موته بنصف ماله فأجاز الابن للقاتل ثم قدم ابن آخر فله أن يأخذ ميراثه من الوصيتين لأن الوصية للقاتل ما كانت صحيحة قبل الإجازة كالوصية للورثة فصار الابن الآخر مستحقاً نصيبه من الميراث كله ثم إنما تعمل إجازة أحد الابنين في نصيبه لا في نصيب أخيه ولو كان وهب لقاتله في مرضه ولا وراث له ها هنا جازت الهبة في الكل لأن وارثه كان في دار الحرب عند موته وحقه غير مرعي ولو كان معه في دارالإسلام ذو قرابة له محجوب ممن هو أقرب منه في دار الحرب فقال هذا القريب‏:‏ إن جعلتم الذي في دار الحرب كالميت فأنا أولى بماله آخذه بطريق الميراث لم يكن له ذلك لأنا إنا أبطلنا لاوصية والهبة فلا بد من أن نجعله ميراثاً عند وإذا صار ميراثاً كان الأقرب الذي جاء من دار الحرب أولى به كما لو لم توجد الهبة والوصية أصلاً فباعتبار هذا المال يكون هذا إبطال هبته لحق وارثه الذي في دار الحرب عند موته وذلك لا يجوز‏.‏

من حاشية هذه المسألة إلى مسألة في باب متى يصير الحرب ذمياً ليس من إملاء شمس الأئمة السرخسي - رحمه الله - بل من نسخة القاضي محمود الأورجندي - رحمه الله تعالى - وصورة تلك المسألة‏:‏ لو أن حربياً مستأمناً اشترى أرضاً خراجية فجاء مستحق فاستحقها يحتمل أن شمس الأئمة ما أملاه لأنه وقع جزء من الرواية وأملاه ولكن وقع من يد من نقل كتبه إلى هذه المسألة فالأئمة من بعده شرحوا ما يرويه فما هو مكتوب ها هنا من شرح قاضي القضاة محمود الأوزجندي - رحمه الله عليه -‏.‏

قال‏:‏ ولو أن حربياً في دار الحرب أوصى بوصية لمسلم ثم مات الحربي ثم أسلم أهل الدار قبل أن يقسم الميراث فإن كان المسلم الموصى له يوم الوصية في دار الإسلام فالوصية باطلة لتباين الدارين بينهما وتباين الدارين يمنع لاوصية كما لو أوصى المسلم لحربي في دار الحرب بوصيته لم يجز فإن اجازها الورث بعد ما أسلموا فهي باطلة إلا أن يدفعوها إليه ويسلموها فكانت بمنزلة الهبة منهم لأن الوصية خرجت باطلة والباطل لا يلحقه الإجازة وإن كان المسلم يوم أوصى له في دار الحرب ثم أسلم أهل الدار ولم يقسموا الميرث فإني أنفذ الوصية له من الثلث وأقسم ما بقى بين ورثته على فرائض الله - تعالى - أما الوصية فجائزة لأنهما كانا في دار الحرب وهي دار واحدة فجازت الوصية كالمسلم إذا أوصى لحربي مستأمن بوصية جازت الوصية ثم الوصية تنفذ من الثلث لأن الدار صارت دار الإسلام يجري فيها حكم المسلمين فيجري في هذا المال حكم المسلمين وفي حكم المسلمين جواز الوصية من الثلث وإن كانوا اقتسموا الميراث وقبضوه فأبطلوا الوصية ثم أسلم بطلت الوصية لأنه جرى في هذا المال فلا نتعرض لما مضى فيه من حكمهم‏.‏

ألا ترى لو أنهم اقتسموا المواريث على خلاف قسمة المسلمين ثم أسلموا لا يتعرض لتلك القسمة فكذلك ها هنا والله الموفق‏.‏